محمد بن محمد ابو شهبة

63

المدخل لدراسة القرآن الكريم

الرسول . يدل على هاتين الحالين : ما رواه البخاري ، في صحيحه بسنده عن عائشة - رضي اللّه عنها - : أن الحارث بن هشام - رضي اللّه تعالى عنه - سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي فقال : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم « 1 » عني ، وقد وعيت منه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ، فيكلمني فأعي ما يقول » قالت عائشة - رضي اللّه عنها - : « ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، وأن جبينه ليتفصّد عرقا » وإنما اكتفى النبي في الجواب بهاتين الكيفيتين دون غيرهما من الكيفيات والأنواع ؛ لأن الظاهر أن السؤال كان على الوحي الذي يأتي عن طريق جبريل . والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل - عليه السلام - ولم يأت شيء منه عن تكليم أو إلهام « 2 » أو منام ، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جليّا ، ولا يخالف هذا ما ورد في صحيح مسلم « 3 » عن أنس - رضي اللّه عنه - قال : « بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة « 4 » . . ثم رفع رأسه مبتسما ، فقلنا : ما أضحكك يا رسول اللّه فقال : إنه نزل عليّ آنفا سورة ، فقرأ : بسم اللّه الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 ) [ سورة الكوثر ] . إذ ليس المقصود ب « الإغفاءة » في الحديث : النوم ، وإنما المقصود : الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ، وهي الغيبوبة عما حوله .

--> « هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم » . ( 1 ) الفصم : القطع من غير إبانة ، والتعبير به في هذا المقام صادف محز البلاغة ؛ لأنه ينقطع عنه صلى اللّه عليه وسلم ليعود إليه ، أما القصم - بالقاف - فهو القطع مع الإبانة . ( 2 ) سنفصل الكلام عن الوحي وكيفياته فيما يأتي . ( 3 ) صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب حجة من قال البسملة آية من كل سورة سوى براءة . ( 4 ) يقال : أغفى إغفاءة ، أي ( نام نومة خفيفة ) والمراد ما كان يعتريه عند الوحي من الغيبوبة عمن حوله .